وقفة مع بعض الإشكالات المثارة حول مفهوم “الاصطفاف السني”

Posted on

كتبها الشيخ أبو يزن، بتاريخ 01 سبتمبر 2014مـ

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فقد أطلعني اليوم بعض الإخوة على كلمة للأخ الدكتور إياد قنيبي، حفظه الله، حول “مفهوم الاصطفاف السني”، ومبادرة “واعتصموا”، فوقعت في نفسي خواطر سريعة حولها، فأرجو أن ينفعنا الله بها والدكتور إياد وسائر إخواني:

فأول الأمر لفت انتباهي قوله التطبيق الخاطئ لـ(أخوة المنهج) فتساءلت وهل لها تطبيق صحيح؟

أخي الكريم: حبذا لو تتحفنا بكلام أهل العلم المتبعين في الأمة حول هذه الأخوة، فأخشى أن تدخل في جنس (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) بل هي فخ من فخاخ إبليس يفرق بها بين المرء وأمته، فدعك عنها أسلم لدينك بارك الله فيك.

أما كلامك عن الطرف الآخر فحبذا لو سميت جماعات بأعيانها لنقوم بمقارنة فيما بينهم وبين ابن سلول ومن معه، وبينهم وبين الذين أسهموا في حفر الخندق من المنافقين ونزل فيهم (غرورًا).

حبذا لو سميتهم بأعيانهم حتى نقارن بينهم وبين الرجل الذي أنكى في الكفار وقال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم هو من أهل النار، وتركه يقاتل حتى آخر المعركة في جيشه حتى قتل نفسه.

حبذا لو سميتهم بأعيانهم حتى نقارنهم بأناس كانوا في جيش النبوة في آخر الغزوات ونزل فيهم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ).

حبذا لو سميتهم فإن كانوا شرا منهم سبيلًا وجد المجاهدون في الشام سبيلًا لترك سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فيهم، ووجدنا سبيلًا في ترك قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا).

قال الإمام السمرقندي: (إن لم تقاتلوا لوجه الله، فقاتلوا دفعًا عن أنفسكم وحريمكم)، وهذا الكلام قيل للمنافقين، شهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ونافقوا مع ذلك.

أرأيت لو سميت المبادرة عوضاً عن (واعتصموا) مبادرة (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) أكان الأمر وسطاً بين طرفين مذمومين؟

فإن كان لا يسوغ عندك تشبيه الأمر مع صلاح الدين الأشعري (طبعا هو ليس من أخوة المنهج؟!) فشبهه مع من ذكرنا تجد في الأمر مخرجًا وسعة إن شاء الله.

أما منع الأمر لعدم جواز تقوية شوكة وكلاء الخارج فقد ذكر أهل العلم لا عبرة بمتوقع مع واقع، فواقع صيال الأسد أعظم من ذلك مفسدة بأشواط ومراحل، والموازنة في زمن الاستضعاف كما ذكر مشايخنا تدور بين درء الأفسد والفاسد. وفي زمن التمكين بين جلب الصالح والأصلح.

ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا. فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه. فلا يشترط له شرطٌ بل يُدفَع بحسب الإمكان). وهذا من فقهه رحمه الله وعلمه بالواقع، فقد عاين هجمة التتار الشرسة وضعف المسلمين وتفرق كلمتهم، فتكلم بكلام ينقذ وضعاً ويعالج واقعاً فجزاه الله عنا كل خير.

وكما قال ابن القيم: (وجهاد الدفع ضرورة لا اختيار، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم عقلًا وشرعًا)، فالعاقل من اغتنم كل شجاع يغار على عرضه وبلده.

ولا يُعرف بتاريخ الأمة في معارك دفع الصائل الكلامُ عن الرايات، بل هي بدعة معاصرة، وللأسف انتشرت في كثير من الساحات فابتعد عنها -رحمك الله- وأنا هنا لا أدافع عن المبادرة ولا أصف المنتسبين لها بنفاق أو نحوه كما قد يفهم من كلامي، لكن أخي الكريم تعجّبي من منطق في معالجة النوازل يقدم الشك على الواقع، ويتبع الهاجس ويترك النازلة، هذا منطق هدّام ينتج عراقيل ولا ينتج حلولًا.

والكلام في النوازل كما يُعرف تاريخيًّا هو لأهل العلم الراسخين، الذين جمعوا علم الشرع ودراية الواقع، وأظنك من إنصافٍ لنفسك لا تدعي لنفسك مرتبة طالب العلم، فضلًا عن العالم، فضلًا عن الراسخ فيه.

وأذكر نفسي وإياك بكلام ابن القيم رحمه الله: (إذا نزلت بالحاكم أو المفتي النازلة فإما أن يكون عالما بالحق فيها أو غالبا على ظنه، بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته، أو لا، فإن لم يكن عالمًا بالحق فيها ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فجعل القول عليه بلا علم أعظم المحرمات الأربعة التي لا تباح بحال; ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر).

هذا في العالم فكيف نحن؟!

فهذا مقام عظيم، السكوت فيه نجاة، والخوض فيه مهلكة، ولو أردت أن تنصر الجهاد الشامي فأبواب الخير كثيرة، واعذرني لنشرها في العلن. فإني رأيت حاجة لذلك، شغلني الله وإياك بما يرضيه عنا.

والمبادرة اجتهاد في جمع الكلمة على السقف الميسور حاليًا، والميسور لا يسقط بالمعسور، وهي خطوة اجتهادية عرضة للخطأ والصواب، وفق الله القائمين عليها لكل خير.

هذا والله تعالى أعلم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s